ابراهيم بن عمر البقاعي
709
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وَما أي والحال أنهم ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم ، ولأن مكرهم بأولياء اللّه إنما هو مكر باللّه ، وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه ، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئا من الغيب بمن يعلم جميع الغيب ! وَما يَشْعُرُونَ * أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم ، لأن اللّه تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم ، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة ، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذا لهم مناديا عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقا لقوله تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 173 ] - في أمثال ذلك . ولما قرر هذا ، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفا على وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [ الأنعام : 109 ] تعجيبا من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم ، وتصديقا لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلّا أن يشاء اللّه ؛ وتحقيقا لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم : وَإِذا جاءَتْهُمْ أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم آيَةٌ قالُوا حسدا لمن خصه اللّه بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء عليهم السّلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران لَنْ نُؤْمِنَ أي أبدا حَتَّى نُؤْتى لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء مِثْلَ ما . ولما كان نظرهم مقصورا على عالم الحس من غير نظر إلى جانب اللّه لكونه غيبا بنوا للمفعول قولهم : أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يجوز أن يكون المراد : حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [ المدثر : 52 ] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، ويحك ! متى ندرك هذا واللّه لا نؤمن به أبدا . وأن يكون المراد إتيانه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ونحوها ، وسموهم تنزلا واستهزاء ، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر . ولما ذكر اسم الجلالة إيذانا بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ الأنوف ، أعادها أيضا تهويلا للأمر وتنبيها على ما هناك من عظيم القدر ، فقال ردا عليهم فيما